dimanche 20 juillet 2008

نصف دورة



كانو يبتعدون مثيرين الغبار ورائهم و الإحساس بالنبذ داخلي، تتبعتْ عيناي سيارتهم في ذهول طفولي ساذج؛ هل فعلا كانوا يعنون ما أقدموا عليه، أم أنهم سيقومون بنصف دورة في أية لحظة ليعتذروا عن مزحتهم الثقيلة تلك و يأخذوني معهم؟
إختفت السيارة خلف الجبل و تركت أثرا قد يقودني إلى خطاهم، لكن لن تقودهم إليَّ ، لأن من السهل إقتفاء أثر رحيل مَنْ رَحَل للوصول إليه ، و صعب على مَنْ رحل أن يقتفي أثره ليعود للحظة ما قبل عناق رحيل، لأنه حين يعود يختار طرق و أسباب و درائع و حمقات أخرى للعودة ليست بالضرورة تلك التي سلكها ليرحل، هم أيضا لم يعودوا من ذات الطريق الذي تركوني عليه ؛ فبقيت مدينتا لهم بنصف دورة إستكثروها و إعتذار ترفعوا عنه. مريع أن تحس في ذالك السن بالحزن يجتاح كيانك الغض، و لا تعرف كيف ترده، و لا ما تصنع به حين يتكوم بذالك الحجم بداخلك، قبل أن تتعلم مجارته و التعايش معه كأنه عضوا أخرى بين أعضائك التي ولدت بها، أو ضيف عنيد يبقى حين تريده أن يرحل، و يرحل حين تدعوه ليبقى، تعرف في جميع الأحوال أنه ضيف و إن طال مقامه سيرحل لكن في الآن ذاته تعرف أنه ضيف شريد، سيعود إليك لأن لا مأوى له سوى صدرك ذو الحقب التاريخية الموغلة في الأنين، و سيكون هناك دائما مناسبة ما تبيح له تلك العودة ، صحيح أن التسّمر بزاويا الشرود و الترقب دون أن تبصر ، دون أن تنتظر ، أو تتمنى شيء محددا مضجر و مملل لكن التعود يهون كل شيء. لم أكن لحظتها طفلة سافر أهلها فحسب، لكن كنت مدركة أني خطأ متروكا خلف كي لا ينشغلوا عن أحلامهم بحراسته! نقل عمي إبراهيم أغراضي إلى بيته ، و بعد أيام قادتني جدتي إلى هناك،
حينها أدركت ما معنى ما حل بي ، فمن يومها صار عليَّ أن أستأذن لألمس الأشياء،لأخرج ،لأكل، لأغير ملابسي، لأنام و لأحلم . كان أيضا يجب أن أجسد دور المتخلى عنها حين تأتي إحدى الجارات و تسرد عليها جدتي قصة رحيل إبنها، الذي لم أناديه بأبي من يوم حدق إليَّ قبل يومين من السفر و قال بصوت مهدد:" إن سمعت أنك تكلمتي مع أي رجل سأتي لأذبحك!" كان فعل الذبح ملفوظا بقسوة كافي ليشعرني أنه قد تم، و أني ربما مضرجت بدمائي أسفل رجليه، و حدها عيني تأكدت من أنني أتوهم المشهد ، حين رأيته يخفض إصبعه الذي كان يشير به إليّ و يولي إلى شؤونه، حين أتذكر ذالك أضحك لأنه قد تنبأ بما ستأول إليه أموري لاحقا، أليس من العقوق أن لا أحقق نبوأته الأخير، لعل ذالك يرفعه إلى مصاف الأنبياء !. ضلت جدتي تحكي أسباب رحيلهم لكل زائراتها لأشهر متوالية بتفاصيل جديدة كل مرة لا أدري هل كانت تجزع لرحيل إبنها فتستمتع بذكره ، أم كانت تريد بشكل لا واعي أن تذكرني به كي لا أنسى أنه كان أبي و أن عمي إبراهيم ليس بأبي حتى و إن كان يناديني بإبنته! . في كل مرة تصاحب حكيها بإحتضني و تتلوا عبارات الشفقة و الدعوات بعودة الغائب سالما إلى الديار ، لم تشمل دعوتها أمي أبدا و كأنها لم تكن موجودة أبدا، لا أدري أكانت خلافتهما كافية لتتجاهل ذكرها! ! كرهت نظرات الشفقة و همساتها التي زرعتها جدتي في كل معارفها و زائراتها، تواطئت حتى مع الصغار، فكنت إذا ما لعبت مع بنات الجيران تخرج لتوصيهن ، و تعطيهن هديا أشبه برشاوي علنية ليحسنّ معاملتي. سلوك جدتي زاد من إرباكي لكنه قربني منها شيئا فشيئا حينها ، عكس رقية زوجة عمي التي لم تستسغ وجودي أبدا، ربما بسبب إصرار عمي على التصرف و كأني إبنته التي شاءت أقداره و أعضائه أن لا يلدها
.

1 commentaire:

Yasser_best a dit…

بل إنها دورة كاملة، يخترقون فيها عقل وذاكرة الصغيرة التي تركوها وحيدة على رصيف الحزن

إصبع التهديد من الأب، حكاية الجدة التي تتغير مرة بعد أخرى، وحنان العم الذي داسته أقدام الآخرين.. تكمل دورة الأسى التي شوه عمداً الطفلة، متناسين أنها يوماً ستكبر..وتحكي