mercredi 9 juillet 2008

الرحيل


أعود الليلة لتجسس على الذاكرة، و الإنصات لهذيانها، بعد غياب غير مأسوف عليه، لأني إمرأة تستمتع بالغياب كما تستمتع بالحضور، تتقن دور الجاسوسة كما تثقن دور القديسة.

على الأوراق لا تكاد تميز بين الخيال و الواقع لأن لها قابيلة عجيبة لتصديق كل شيء . و مع ذالك تكفيني نظرات إبني المستيقظ و صراخه بحثا عن ثديي ليعيدني لواقع الأشياء من حولي، و يكفيني حضن حبيبي أو شيء من ريقه لأثمل و أصل للفناء . لا أدري كيف تعلمت تقدير اللحظة و الإنسياب مع تموجات الحياة مهما كانت قاسية؟ حين أفكر فيما عانية أتساءل من أين تأتيني كل هذه القوة للإستمتاع بالأشياء البسيطة جدا أو الحقيرة حتى! أحد أصدقائي صدمني قبل أيام و هو يقول لي :" أكيد أن هناك خَلَلٌ بعينيكِ،لأنكِ ترين البشاعة جمال، و القبح حسن ، و لو أنك عاينت مجاعة أو كارثة طبيعية أو حربا لا تغزَّلتي فيها!! صديقتي يجب أن تُعجلي بفحص عينيك لأنهما ليستا طبيعيتين أبدا.!" ربما هو على حق، لكن منذ متى يجب أن يتشابه الناس لكي تدور الأرض!. حين أقف أمام المرآة عارية قد لا تختلف الصورة المنعكسة عن جسد أية غانية قد تمنحه بمقابل مادي أو معنوي لأول متسول تلتقيه؛ لكن أعرف أنني إمرأة إستثنائية و لا أنتظر أن يقتنع بذالك سواي، لأن كل مآسي لم تُضعِف تقديري للإنسانة التي بداخلي و لا أثق كثيرا في سواها، فهي وحدها إحتملت معي ما مر دون أن تتخلى عني يوما لتؤثر الإنتحار على مرافقتي؛ لم أسمع أن أحد قَبََّل نفسه كما أفعل ! فهذا ما علمتنيه الوحدة، حتى و إن كنت محاطة بجوقة لا تحتفي بغيري!، قد تقولون مجنونة أو شاذة، لا يهمني رأيكم كيفما كان، فقد لن تختلفون عن بائع الورد الذي تَعَودَني في محله كل صباح حين أخرج لشراء الخبز و الجرائد، و الذي دفعه حب تملك المعرفة كما دفع آدم من قبل ليقول بذكاء الغبي و هو يلف لي الوردتين:" لقد جلبت بطاقات إهداء بها عبارات جميلة يمكن أن أضع لك واحدة بين الوردتين ، قد تعجبه.!" لا أدري ما الذي حداها لتلك الصياغة آسذاجته أم فضوله المقيت! أجبته:" شكرا لا حاجة للبطاقة؛ الوردتين تقولان كل شيء!" لم أشاء أن أعطيه يقينا يريحه ظنه ، فماذا كان سيقول لو أخبرته ساعتها أنني أهدي الوردتين لي؛ كي لا أنتظرها من آخر ينسى دوما أن يعود ، و إن عاد سينسى حتما أن يجلب لي الورد!.
حين تحيطك الوحدة من كل جهة؛ فيجب أن تتعلم الإنصات لنفسك لتستمر، وتهبها تعويضات عن الغائبين كي لا تزعجها بالتفكير فيهم و بفداحة ما فعلوا بك ذات يوم قبل الرحيل، فكن كالرب الرحيم و اغفر لهم فهم لايعلمون حجم الألم الذي كانوا سببا فيه، حين يتخلى عنك أقرب الناس فيجب أن تتعلم الوقوف و المشي لتركض من جديد، عليك أن تتعلم الإستغناء عن كل ذات غير ذاتك. و تحاول ترميم ما هُدِّمَ فيك؛ و إن بدا ذالك مستحيل؛ فلا شيء يغنيك من المحاولة تلو المحاولة، و ما الحياة أصلا سوى تعاقب المحاولات.
لا أذكر تاريخ ذالك اليوم بالضبط ، لكن يمكن أن أجزم أنه كان الأسبوع الأخير من غشت1971، أستطيع أن أغمض عيني لأحل في تللك الغرفة أو لتحل هي فيا الأمر سواء، لا أذكر لون ما كنت أرتديه ، وحده طول الغرفة بقي عالقا في ذاكرتي لا أدري هل هي طويلة إلى ذاك الحد أم أن الذاكرة تبالغ فيما تُصوِّرُه لي! في تلك الغرفة قرروا مصيري أو على الأصح أعلنوا ما قرروه في شأني من قبل، حول مائدة المستديرة ذي الثلات أرجل كان يتحلق أبي و عمي و جدتي و أخي الأكبر يناوبون رشفات الشاي و حبات الفستق و اللوز و الكلام عني، كنت مشدوهتا لما أسمع، متتبعتا حركات أرجلهم أسفل المائدة، غير مبالية بدارع أمي التي تطوقني منذ جلسنا بالزاوية الأخرى للغرفة الطويلة لنشرب معهم الشاي أو لنعقد الإجتماع العائلي الأخير الذي لم يكن لنا سوى حق التفرج ، و الإيماء بالرأس إيجابا أو الصمت رفضا، لكي لا نوقظ أخي الرضيع الذي يغفو بجانبنا بتلك الزوية، لا أذكر تفاصيل كلامهم لكني فهمت أنهم سيسافرون و سيتركُنني هنا لأن فرنسا تفسد تربية البنات! نظرت إلى أمي علها تبدي إعتراضا ، علها تتمرد و لو مرة واحدة في حياتها، و تتشبت بي؛ لأني لم أختر أن أكون أنثى و لو كنت غير ذالك لما تجرؤ على تركي لجدة عجوز، و عم عاقر و زوجته الطائشة ، و سنواتي الثمانية لأعيش اليتم دون أن أعرف ماذا يعني. حين لم تحرك أمي ساكنا أمامي توسلاتي الصامت؛ إنتفضت من حضنها تذمرا منها أو عقابا لها، صعدت إلى السطح و أغلقته لأني أعرف أن صعوده كان مرفوضا، لأن سقف البيت كان مهترئ و أي حركة قوية قد تهدمه، في قرارتي تمنيت الآن لو أن حركاتي الضعيفة كانت تكفي لأهدمه فوق رؤوسهم لتكون تلك الغرفة قبرا لهم كما كانت قبرا لي، لكن لم يحدث ذالك و لم أسمع سوى صوت أمي خلف باب السطح تحاول وداعي أو مواستي، لم يصلني كلامها لأن محرك سيارة أبي كان يصرخ في فراغ القرية؛ التي لازالت تقضي قيلولتها، و كأنه كان ينوب عن فم أبي الذي لم يكن يختلف عن محرك "المازوط " ذاك، و من السطح رأيتهم يضعون حقائبهم بالسيارة و يصعد أبي و أخي الأكبر بالأمام، و أمي و أخي الرضيع بالخلف، وحدها أمي من رفعت عينيها الدامعتين نحو السطح لترى شبحي الناحب
.

9 commentaires:

Anonyme a dit…

يا لك من كاتبة مبدعة

واصلي الفضح

BLUESMAN a dit…

سلام
لو كنت ناشرا لطلبت منك تاليف كتابا
حتي يتمكن اكبر عدد من عشاق الكلمة الجميلة من التمتع بكتاباتك

kb a dit…

ton style d'écriture me rapelle une autre "chamaa"....de taounat celle ci par contre :))))

kb...la boule de cristal

شامة a dit…

إلى المجهول

شكرا

شامة a dit…

>>BLUESMAN

لو كنت كاتبة لأهديتك نسخة موقعة بشفاهي

شامة a dit…

>kb



تونات و إمنتانوت ترقصان على نفس الإيقاع
و النساء أيضا يرقصن على نفس الإيقاع
لدى فالمدن تشبه النساء و العكس صحيح

دمت وفيا لمدن و شبيهات لمدن
:)

Rose a dit…

Les souvenirs douloureux,restent tatoués dans la mémoire!
Joli texte!

شامة a dit…

>rose

أنت على حق

pofpof a dit…

جميل جدا ياشامة, لكن عندي سؤال بسيط ,واش الاحداث وقعت في واحد وسبعون أو في ستة وسبعين ومابعد. إن لم تخني ذاكرتي ففرنسا لم تعط الحق للمهاجرين أن يحضروا عائلاتهم إلى التراب الفرنسي إلا في سنة ستة وسبعون.
المهم واصلي الفضح ,مع مباركتي الإمبراطورية